جميل بثينة

 جميل بثينة


اسمه ونسبه :

جميل بن معمر الملقب بـ "جميل بثينة"، هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، يرجع نسبه إلى عذرة وهي بطن من قضاعة، وهو من شعراء العصر الأموي. 

مولده ووفاته :

ولد جميل بثينة في وادي القرى سنة (659 م)، وتوفي سنة (701 م)، إبان خلافة عبد العزيز بن مروان. 

صفاته :

كان جميلاً حسن الخلقة، عريض المنكبين، كريم النفس، باسلاً، جواداً، شاعراً، مطبوعاً، مرهف الحس رقيق المشاعر، وكان من أسرة ذات مقام رفيع،  وصاحبته بثينة وهم جميعاً من قبيلة عذرة التي ينسب إليها الحب العذري، وكانت تكنى أم عبد الملك والتي انطلق يقول فيها الشعر حتى وفاته، ومن ذلك قوله :

يا أُمّ عبد الملكِ اصرميني
فبيّني صُرمكِ أو صليني

شهرته :

افتتن جميل ببثينة بنت حيان بن ثعلبة العذرية، وهي من فتيات قومه، وكان غلاماً صغيراً، فلما كبر خطبها من أبيها فرده وزوجها من رجل آخر، فازداد حباً لها، وكأن يأتيها سراً ومنزلها وادي القرى فتناقل الناس أخبارهما، وكانت قبيلة "عُذرة"، مشتهرة بالجمال والعشق حتى قيل لأعرابي من العذريين : "ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث"أي تذوب"، كما ينماث الملح في الماء؟، ألا تجلدون؟، قال : إنا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها.
وقيل لأخر فمن أنت؟، فقال من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: عذري ورب الكعبة.

عشق جميل قول الشعر وكان لسانه مفطوراً على قوله، يقال أنه كان راوية لهدبة بن خشرم، وهدبة كان شاعراً وراوية للحطيئة وهو أحد الشعراء المخضرمين.
قصد جميل مصر وافداً على عبد العزيز بن مروان، بالفسطاط، فأكرمه عبد العزيز وأمر له بمنزل، فأقام قليلاً ومات ودفن في مصر، ولما بلغ بثينة خبر موته حزنت عليه حزناً شديداً، وأنشدت :

وإن سُلُوّي عــن جميلٍ لَساعةٌ
مـن الدهـرِ مـا حانت ولا حان حينه
سواء علينا يا جميلَ بن معمَرٍ
إذا مت بأساءُ الحياة ولينُها

قصته مع بثينة :

قالوا بأن الحب لا يأتي الا بعد مشكلة، وهذا ما حدث مع جميل وبثينة، فقد اختصما فيما بينهما في أول لقاء لهما في واد يقال له وادي بغيض، حيث قصدت بثينة الماء، ووجدت ناقة صغيرة فضربتها، وهذا ما جعل الخلاف، والنزاع ينشأ بينهما، فهذه الناقة الصغيرة كانت ملكاً لجميل، وهنا بدأت قصة جميل وبثينة، وأحب كل منهما الآخر، إلى أن توجه جميل إلى أهلها لخطبتها، إلا أنهم رفضوا طلبه، بسبب ذكره بثينة في شعره صراحة، فقد قال عن أول لقاء بينهما :

وأوّلُ ما قادَ المودّة بيننا
بوادِ بغيضٍ يا بثينُ سبابُ

فقلنا لها قولاً فجاءت بمثلِه
لكلِّ كلامٍ يا بثينُ جوابُ

مواقف من حياته :

عشق جميل بثينة بنت يحيى من بني ربيعة، فانطلق ينظم الشعر فيها فجمع له قومها جمعاً ليأخذوه إذا أتاها، فحذرته بثينة فاستخفى وقال :

فلو أن الغادون بثينة كلهم
غياري وكل حارب مزمع قتلي

لحاولتها إما نهاراً مجاهراً
وإما سرى ليلٍ ولو قطعت رجلي

وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان بن الحكم وقد كان عاملاً على المدينة، فنذر ليقطعن لسانه فلحق بجذام وقال :

أَتانِيَ عَن مَروانَ بِالغَيبِ أَنَّهُ
مُقيدٌ دَمي أَو قاطِعٌ مِن لِسانِيا

فَفي العيشِ مَنجاةٌ وَفي الأَرضِ مَذهَبٌ
إِذا نَحنُ رَفَّعنا لَهُنَّ المَثانِيا

وَرَدَّ الهَوى أُثنانُ حَتّى اِستَفَزَّني
مِنَ الحُبِّ مَعطوفُ الهَوى مِن بِلادِيا

بقى جميل هناك حتى تم عزل مروان عن سدة الحكم في المدينة، فانصرف إلى بلاده وكان يختلف إليها سراً كان لبثينة أخ يقال له حواش عشق هو الآخر أخت جميل، وتواعد للمفاخرة فغلبه جميل، ولما اجتمعوا لذلك قال أهل تيماء : قل يا جميل في نفسك ماشئت، فأنت الباسل الجواد الجمل، ولا تقل في أبيك شيئاً فإنه كان لصاً بتيماء في شملة لا تواري لبسته، وقالوا لحواش قل، وأنت دونه في نفسك وفي أبيك ما شئت فقد صحب النبي "صلى الله عليه وعلى آله وسلم".
قال كثير، قال لي جميل يوماً : خذ لي موعداً مع بثينة، قلت: هل بينك وبينها علامة؟، قال: عهدي بهم وهم بوادي الدوم يرحضون ثيابهم، فأتيتهم فوجدت أباها قاعداً بالفناء، فسلمت، فرد وحادثته ساعة حتى استنشدني فأنشدته:

وَقُلتُ لَها ياعَزَّ أَرسَلَ صاحِبي
عَلى نَأيِ دارٍ وَالرَسولُ مُوَكَّلُ

بَأَن تَجعَلي بَيني وَبَينَكِ مَوعِداً
وَأَن تَأمُريني بِالَّذي فيهِ أَفعَلُ
وَآخِرُ عَهدٍ مِنكَ يَومَ لَقيتَني
بِأَسفَلِ وادي الدَومِ وَالثَوبُ يُغسَلُ

فضربت بثينة جانب الستر، وقالت إخسأ، ولما سألها والدها، قالت : كلب يأتينا إذا نام الناس من وراء هذه الرابية، قال: فأتيت جميلاً وأخبرته أنها وعدته وراء الرابية إذا نام الناس.
كما يروي ابن عياش قائلاً : خرجت من تيماء فرأيت عجوزاً على راكبة على الحمار فقلت من أنت : قالت : من عذرة، قلت : هل تروين عن جميل ومحبوبته شيئاً، فقالت: نعم، إنا لعلى ماء بئر الجناب وقد اتقينا الطريق واعتزلنا مخافة جيوش تجيء من الشام إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا في سفر، وخلفوا عندنا غلماناً أحداثاً، وقد انحدر الغلمان عشية إلى صرم لهم قريب منا ينظرون إليهم، ويتحدثون عن جوار منهم فبقيت أنا وبثينة، إذا انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا فسلم ونحن مستوحشون فرددت السلام، ونظرت فإذا برجل واقف شبهته بجميل.
فدنا فأثبته فقلت : أجميل ؟ قال: إي والله، قلت: والله لقد عرضتنا ونفسك شراً، فما جاء بك؟ قال : هذه الغول التي وراءك وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك فقمت إلى قعب فيه إقط مطحون وتمر، وإلى عكة فيها شيء من سمن فعصرته على الإقط "الجبن"، وأدنيته منه فقلت: أصب من هذا وقمت إلى سقاء لبن فصببت له في قدح ماء بارد وناولته، فشرب وتراجع فقلت له : لقد جهدت فما أمرك؟ فقال : أردت مصر فجئت أودعكم وأسلم عليكم، وأنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ليال أنظر أن أجد فرصة حتى رأيت منحدر فتيانكم العشية، فجئت لأحدث بكم عهداً، فحدثنا ساعة ثم ودعنا وانطلق، فلم نلبث إلا يسيراً حتى أتانا خبر وفاته من مصر.

بعض قصائد جميل بثينة :

أبثين إنك قد ملكت فأسجحي

لقد فرح الواشونَ أن صرمت حبلي

شهدت بأني لم تغير مودتي

ألا هل إلى إلمامة أن ألمها

أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا

تعليقات