نص الرسالة الجدية لابن زيدون

يامولايَ وسيّدي ، الّذي ودادي له ، ومَنْ أبقاه الله تعالى ماضِيَ حدّ العزم ، واري زَند الأمل ، ثابتَ عهدِ النّعمة. 
أظمأتني إلى برودِ إسعافكَ ، ونفضتَ بي كفَّ حياطَتك ، وغضضتَ عني طرفَ حمايتك ، بعدَ أن نظر الأعمى إلى تأميلي لكَ ، وسَمِعَ الأصمُّ ثنائي عليك ، وأحسّ الجماد بإستنادي إليكَ ، فلا غرو : قد يغصُّ بالماءِ شاربهُ ، ويقتلُ الدواء المستشفيَ به ، وُيؤتى الحذرُ من مأمنه ، وتكونَ منيّةُ المُتمني في أمنيتهِ والحين قد يسبقُ جَهدَ الحريصِ :

كل المصائبِ قد تمرُّ على الفتى
وتهونُ غير شماتـةِ الحُسّاد ِ

وإنّي لأتجلدُ ، وأُرِي الشامتينَ أنّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ ، فأقول :
هل أنا إلا يد أدماها سُوارُها ، وجبينٌ عضَّ به إكليلهُ ، ومشرفيٌٌ ألصقهُ بالأرضِ صاقِلهُ ، وسمهريٌّ عَرَضَه على النُار مثقفُه ، وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول :

فَقَسَا ليزدجروا ومن يك حازماً
فليقسُ أحياناً على من يرحم

هذا العتبٌ محمود عواقبه ، وهذهِ النّبوةُ غمرةٌ ثم تنجلي ، وهذه النكبةُ سحابةُ صيف عن قريبٍ تُقشّع ، ولن يريبني من سيّدي أن أبطأ سَحَابُه ، أو تأخر غير ضنين غَناؤه ، فأبطأُ الدلاءِ فيضاً أملؤُها ، وأثقل السحائبِ مشياً أحفلُها ، وأنفع الحيا ماصادف جدبا ، وألذُّ الشَّرابِ ما أصابَ غليلا ، ومع اليوم غد ، ولكل أجل ٍ كتاب ، له الحمد على اغتِنَامِهِ ولا عتب عليه في إغفاله.
فإن يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحداُ
فأفعالهُ اللاتي سَرَرنَ ألوف

وأعود فأقول :
ماهذا الذنبُ الذي لم يسعه عفوكَ ؟ والجهلُ الذي لم يأتِ من ورائهِ حلمك ؟ والتطاول الذي لم يستغرقهُ تَطَوُّلك؟ والتحامل الذي لم يفِ به احتمالك ؟ ولا أخلو مِن أنْ أكونَ بريئاً، فأين العدلُ؟ أو مسيئاً ، فأين الفضلُ ؟

إلا يكن ذنب ٌ فعدلـك واسـع
أو كان لي ذنب ففضلك أوسع ُ

حنانيكَ ، قد بلغَ السيلُ الزُّبى ، ونالني ماحسبي به وكفى ، وما أراني إلا لوأنّي أمرتُ بالسجود لآدم فأبيتُ وأستكبرت، وقال لي نوح "أركب معنا" فقلت سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ، وأمرتُ ببناء الصرحِ لعليَّ أطلع إلى إلهِ موسى ، واعتديتُ في السبتِ ، وتعاطيتُ فعقرت ، وشربت من ماء النهرِ الذي ابتليَ به جنود طالوت ، وقدتُ الفيلَ لأبرهة، وعاهدتُ قريشاً على مافي الصحيفهِ ، وتأولتُ في بيعة العقبةِ ، ونفرتُ إلى العير ببدر ، وأنخذلت بثلث الناسِ يومَ أحد ،وتخلفتُ عن صلاةِ العصرِ في بني قريضة ، وأنفتُ من إمارة أسامة ، وزعمتُ أن بيعة أبي بكر ٍ كانت فلته ورجَمتُ الكعبة، وصلبتُ العائذَ بها على الثّنية ، لكان فيما جَرَى على مايُحتمل أنْ يُسمى نَكالاً ، ويُدعى ولو على المجازِ عِقاباً :

وحَسبُكَ مِن حادِثٍ بامريءٍ
تَرَى حَاسِدِيهِ لهُ راحمينا

فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ، ونبأ جاء به فاسق ؟
وهم الهمازون المشاءؤن بنميم ، الواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العَصَا ،والغُواةُ الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والُّسعاةُ الذين ذكرهم الأحنفُ بن قيس ، فقال : ماظنكَ بقومٍ الصدقُ محمود إلا منهم. 
حلفتُ فلم أتركُ لنفسك ريبةً وليس وراءَ الله ِ للمرءِ مذهب. 
والله ما غششتُكَ بعد النَصيحةِ ، ولا انحرفتُ عنكِ بعد الصّاغية ، ولانصبتُ لكَ بعد التّشيّع فيك ، ولا أزمعتُ بأساً مِنكَ مع ضمانٍ تكفلت به.
الثّقةٌ عنك ، وعهدٍ أخذهُ حُسنَ الظّنِ عليك ، ففيما عَبِثَ الجَفاءَ بأذمّتي ، وعاثَ العقوقَ في مودتي ؟ وتمكّن الضياعُ مِنْ وسائلي ، ولمّا ضاقت مذاهبي ، وأكدتُ مطالبي ، وعلامَ رضيتُ مِنْ المركبِ بالتعليقِ ؟ بل من الغنيمة بالإياب.، وأنّي غلبني المغلبِ وفخرَ عليّ العاجزُ الضعيف. 
ولطمتني غيرُ ذاتِ سُوار ؟ ومالكَ لا تمنعُ منّي قبلَ أنْ أُفتَرَس ، وتُدركني ولمّا أُمزّق ؟ أم كيفَ لا تتضرّمُ جَوانحُ الأكفَاءُ حَسَدَاً لي على الخصُوصِ بك ؟ وتتقطّع أنفاس النّظراءِ منافسةً في الكرامةِ عليك فكيف ؟ وقد زانني رَسمُ خِدمتكَ ، وزاهني وَسمُ نِعمتكَ ، وأبليتُ البلاء الجميلِ في سِماطِكَ ، وقمتُ المقام المحمود عن بِساطك :

الستُ المُواليَ فيكَ غُرَّ قصائدٍ
هي الأنجمُ اقتادت مع الليلِ أنجما

ثناءٌ يُظَنُّ الرّوضَ منه منورا
ضُحى ويُخالُ الوشيُ فيه منمنما

وهل لَبِسَ الصباح إلا بُرداَ طرزته بفضائلك ! وتقلّدت الجوزاءُ إلا عِقداً فصّلتهُ بمآثرك ؟ واستلّ الربيع إلا ثناءً ملأتهُ من محاسنك ، وبثّ
المِسكَ إلا حديثاً أذعتُه في محامدك ؟ وما يومُ حليمةَ بِسر ، وإن كنتُ لم أكْسُكَ سليباً ، ولا حليتُكَ عُطْلاَ ، ولا وسمتُكَ غُفْلا ، بل وجدتُ آجُرًّا. 
وجِصّا فبنيتُ ومكان القولُ دا سِعةٍ فقلتُ : وحاشا لله أن أُعدُّ من العاملة النّاصبة ، وأكون كالذّبالةِ المنصوبةِ تُضيءُ للنّاس وهي تحترق ، فلك المَثَلُ الأعلى ، وهو بك أولى .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عنترة بن شداد

جساس بن مرة

الشاعر أبو الطيب المتنبي