الحطيئة
الحطيئة
اسمه ونسبه :
هو أبو مليكة جرول بن أوس العبسي، وهو شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، قيل بأن نسبه يعود لقبيلة بني عبس، وقيل لقبيلة ذهل.
مولده ووفاته :
ولد الحطيئة سنة (600 م)، وتوفي عام (665 م).
نشأته :
ولد الحطيئة لأَمة يقال لها الضراء، بينما ظل الشك يساير نسب الحطيئة لأبيه، ولعل الحطيئة نفسه لم يكن متأكداً من نسبه، فقد كشف عن ذلك في شعره الذي كان ينتسب فيه مرة لبني ذهل، وأخرى لبني عبس، فقد ذكرت مصادر الأدب العربي مما نقله الرواة والمؤرخون من أخبار العرب وشعرهم، أن أوس بن مالك العبسي كان قد تزوج ابنة رياح بن عمرو من بني ذهل، وأن أوس كان قد أعلق أمته بالحطيئة ورحل عنها، فلما وضعت الضراء مولودها الحطيئة سألتها مولاتها عنه، فأجابتها أنه من أخيك وهابت أن تقول لها إنه من زوجها، وقد صدقت مولاتها الأمر؛ لأن الحطيئة كان مشوه الخلق دميم مثل أخيها، ثم تزوجت الضراء برجل آخر من بني عبس، بينما تكفلت ابنة رياح بتربية الحطيئة مع ولديها بعد أن أعتقته و جعلته حراً، وبعد وفاة أوس بن مالك تجاسرت الضراء على الاعتراف بنسب ابنها، فأخذ الحطيئة بعدئذ يطالب بميراثه من أخويه، إلا أنهما عارضا ذلك وأنكرا عليه حقه، ورفض أن يقيم معهما وفضل الالتحاق بإخوته من بني الأفقم الذين لم يدفعوه ولم يقبلوه، ولكنهم أقطعوا له نخلات من نخل أبيهم، إلا أنه لم يكتف بهن، وأخذ يطالبهم بميراثه كاملاً فرفضوا أن يعطوه سؤله، وقاموا بضربه فغضب عليهم وتنكر لهم، وهجاهم بقوله:
تمنيت بكرًا أن تكون عمارتي
وقومي وبكر شر تلك القبائل
إذا قلت بكري نبوت بحاجتي
فيا ليتني من غير بكر بن وائل
والتحق بعد ذلك ببني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك، ولما يكن قد سلم إليهم في قرارة نفسه بعد، فقد ظل يلح في طلب الحقيقة ويتحرى عن أصل نسبه في الوقت الذي كانت أمه تسعى لتضليله في معرفة الحقيقة و تبيان نسبه، كما أنها لفتته ليفيد من شراكة النسب بين القبيلتين ذهيل وعبس، وكان قد استثمر هذه الشراكة خير استثمار من خلال الشعر، الذي به ارتقى وذاع صيته، وإليه انتسب وأمن مضجعه، فقد وجد من خلاله ذاته وعمر كيانه الاجتماعي، ولذلك فإنه تتلمذ على يدي زهير ابن أبي سلمى التي كان شعره يعنى بالنظم وانتقاء الكلمات والسمو بمعانيها ومضامينها، وقد أصببح الحطيئة راوية لزهير ابن أبي سلمى.
سبب تسميته الحطيئة :
اختُلف في سبب تسمية الحطيئة بهذا الاسم، وقد قيل بأنه لقب بذلك لقصر قامته وقربه من الأرض، فكما جاء في معجم لسان العرب أن الحطيئة هي تصغير حطأة، وهي الضرب بالأرض أو الرجل القصير، وقيل سمي بذلك لدمامة وجهه، والدمامة تعني قبح المنظر وصغر الجسم.
سجن الحطيئة :
كان سبب حبسه أن الزبرقان بن بدر التميمي سيد قومه عَمِل للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وأبي بكر وعمر، وكان يجمع زكاة قومه ويؤديها لهم. وقد اشتكى لعمر لما هجاه الحطيئة، فقال له عمر : وما قال لك ؟، قال : قال لي :
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها
واقعـدْ فإنّك أنت الطاعمُ الكاسي
فقال عمر : ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة. فقال الزبرقان : أو لا تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس، والله يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قط أشد علي منه. فدعا عمر حسان بن ثابت وسأله: أتراه هجاه؟، قال حسان : نعم وسلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، فجعل الحطيئة يستعطفه ويرسل إليه الأبيات، فمن ذلك قوله :
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ
زغبُ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
فلم يلتفت إليه عمر، حتى أرسل إليه الحطيئة :
ألقيت كاسبَهم في قعر مُظلمة
فاغفر، عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمامُ الذي من بعد صاحبه
ألقى إليك مقاليدَ النُّهي البشرُ
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الأثرُ
فامنن على صبيةٍ بالرَّمْلِ مسكنُهم
بين الأباطح يغشاهم بها القدرُ
نفسي فداؤك كم بيني وبينَهُمُ
من عَرْضِ واديةٍ يعمى بها الخبرُ
فبكي سيدنا عمر رضي الله عنه لما سمع الأبيات ورحم الحطيئة وأولاده ورق لحالهم ،وكان الصحابة رضوان الله عنهم يتعجبون من رحمة عمر للحطيئة ورقة قلبه له فقال له سيدنا عمر : فإياك والمقذع من القول فقال الحطيئة: وما المقذع؟، قال عمر : أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان وآل فلان خير من آل فلان، قال الحطيئة : فأنت والله أهجى مني. ثم قال له عمر : والله لولا أن تكون سُنّة لقطعت لسانك، فدفع له عمر بثلاثة آلاف درهم على أن لا يتعرض لأحد بالهجاء، وأخذ عليه عهداً ألا يهجو أحداً، فقال الخطيئة لك عهد الله يا امير المؤمنين، فقال عمر : لكأني بفتىً من قريش قد نصب لك نمرقة، فاتكأت عليها، وأقبلت تنشده في أعراض المسلمين، قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين، فأطلقه الخليفة وتوقف عن الهجاء، قال بعض الرواة : فوالله لقد رأيته عند عبيد الله بن زياد على الحال التي ذكر عمر رضي الله عنه، فقلت له: لكأن أمير المؤمنين عمر كان حاضراً لك اليوم، فتأوه. وقال: رحم الله ذلك المرء، فما أصدق فراسته.
ارتداده عن الإسلام :
دخل الحطيئة في الإسلام، إلا أن إسلامه كان متقلّباً ضعيفاً، فكان يخرج عن حدود الدين والأخلاق أحياناً، ويتبعها أحياناً أخرى، وبعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم بفترة وجيزة، ثار الحطيئة على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وقال : "أطعنا رسول الله إذا كان حاضراً، فيا لهفتي ما بال دين أبي بكر، أيورثها بكراً إذا مات بعده، فتلك وبيت الله قاصمة الظهر"، وارتد عن الإسلام.
هجاؤه لنفسه وأمه وابيه :
-- قال يهجو أمه :
تنحي فاقعدي مني بعيداً
أراح الله منك العالمينا
ألم أوضح لك البغضاءَ مني
ولكن لاأخالُكِ تعقلينا
أغربالاً إذا استودعت سراً
وكانوناً على المتحدثينا
جزاك الله شراً من عجوز
ولقاك العقوق من البنينا
حياتكِ ماعلمت حياةُ سوء
وموتُكِ قد يسرُّ الصالحينا
-- وقال يهجو أبيه :
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي
وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربي
وأبواب السفاهة والضلال
-- قال يهجو نفسه :
أبت شفتاي اليوم إلا تلكماً
بهجو فما أدري لمن أنا قائله
-- فلما رأى وجهه على الماء قال :
أرى اليوم لي وجهاً فلله خلقه
فقبح من وجه وقبح حامله
-- كما أوصى أن يكتب هذا البيت على قبره :
لا أحدٌ ألأم من حطيئة
هجا البنين وهجا المريئة
قصة وفاته :
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت
ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
قال له : أوصي بما ينفعك
قال : أوصيكم بأن تبلغوا أهل ضابيء أن شاعرهم ضابيء هو أشعر العرب لقوله :
لكل جديد لذة غيـر أننـي
رأيت جديد الموت غير جديد
قالوا له : ويحك يا حطيئة أوص بما ينفعك في آخرتك.
قال : أوصيكم بأن تبلغوا أهل المرىء القيس أنه أشعر العرب لقوله :
فيالك من ليل كأن نجومه
بكل مغار الفتل شدت بيذيل
فضحك القوم من تصرفه هذا رغم مشاهدتهم له يحتضر على فراش الموت.
فقال له أحدهم : اتق الله ودع عنك هذا وأوص .
قال : أوصيكم أن تبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب لأنه القائل :
يغشون حتى ماتهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
فالتفت الحطيئة إليهم وقال :
الشعر صعب وطويل سلمه إذا
ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
يريد أن يعربـه فيعجمـه
حين رأوا أن لا فائدة من نصحه وأنحسر الجد من مجلسهم سأله أحدهم من أشعر الناس يا أبا ملكية، قال مشيراً إلى فمه هذا الجحير إذا طمح في خير.
و سأله آخر قائلاً : يا حطيئة بماذا توصي الفقراء؟، فقال : أوصيهم بالإلحاح في المسألة فإنها تجارة لا تبور.

تعليقات
إرسال تعليق