النابغة الذبياني
اسمه ونسبه :
كان أول اتصال النّابغة ببلاط الحيرة، وذلك بدخوله على المنذر بن ماء السماء في أواخر ملكه على الأرجح، ومع اندحار اللخميين أمام الغساسنة في معركة يوم حليمة التي دارت بين جيش المنذر وجيش الحارث بن جبلة الغسّاني، فقد بقي النابغة وطيد الصلة بالمناذرة إذ هنأ عمرو بن هند حين ارتقى العرش بعد أبيه، ولكن علاقة الشاعر بالمناذرة انقطعت بعد ذلك ولا سيما في الفترة الممتدة بين (570م) و (580)، وهي الفترة التي مثل فيها دور الشاعر السياسي، لاهتمامه آنذاك بحوادث حرب السباق، ومن الطبيعي أن يمثل النّابغة في حرب "السباق" دوراً له مقامه، وهو الشاعر الرفيع المكانة والمقام.
اتصال النابغة بالمناذرة :
عندما رقي النعمان بن المنذر، أبو قابوس عرش الحيرة، أراد النعمان أن يظهر بمظهر الملك العزيز الجانب وينافس أعداءه الغسانيين بمظاهر العظمة، وكان النعمان على ما يظهر محباً للأدب أو كان يدرك على أقل تقدير ما للشعر من أثر كبير في الدعاية للبلاط وتصويره بصورة الرفعة والفخامة، وهكذا اجتمع في بلاطه جملة من الشعراء كان النّابغة أبرزهم وقد ترك آنذاك الغساسنة وعاد إلى الحيرة.
علاقة النابغة بالنعمان :
تتفق روايات المؤرخين على أن النّابغة نال حظوة كبيرة عند النعمان الذي قرّبه إليه بعد أن أحسن وفادته، ولا شك أن الشاعر نزل من نفس الملك منزلة طيبة فآثره هذا بأثمن عطاياه وأوفر نعمه، مما لم ينله شاعر قبله، ويذكر أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه أن النابغة كان يأكل ويشرب في آنية من الفضة والذهب. وعن ابن قتيبة عن ابن الكلبي الرواية الآتية التي تثبت مكانة الشاعر عند النعمان، قال حسان بن ثابت: رحلت النعمان فلقيت رجلاً فقال: أين تريد فقلت هذا الملك قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً، ثم يسأل عنك رأس الشهر ثم أنت متروكد النابغة قوله:
• فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبُ
إذا طلعت لم يبد منهن كوكبُ.
دفع إليه مائة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحداً حسدي النابغة لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره، واستبد النابغة بمودة الملك النعمان وجزيل عطائه وسابغ نعمه، فلا عجب أن يثير هذا حفيظة الشعراء ليعملوا على إفساد علاقته ببلاط الحيرة، ومهما يكن من أمر فإن الدسيسة قد نجحت بصعوبة، وبات الشاعر مهدداً بدمه وحياته، لكنّ حاجب أبي قابوس عصام بن شهبر الجرمي (وكان بينه وبين النّابغة إخاء وصداقة)، حذّره من غضب النعمان، ونصحه بترك البلاط، فاضطر النّابغة إلى الفرار، فلجأ إلى الغساسنة، وفي نفسه حسرة، وغيظ، وأمل في العودة. يذكر ابن قتيبة، أن الرواة اختلفوا في السبب الذي حمل الملك النعمان على أن ينذر دم شاعره، على أننا نستطيع أن نحيط بأبرز الدوافع التي أوقعت الجفاء بين أبي قابوس والنابغة.
وذكر قوم أن النابغة هجا الملك بقوله :
• نتت قبّح الله ثم ثنّى بلعن
وارثَ الصائغ الجبانَ الجهولا.
اتصال النابغة بالغساسنة :
يقال بأن السبب في مفارقة النّابغة للنعمان، ورحيله إلى غسان، خبر يتصل بحادثة المتجردة، والمتجردة هي زوجة النعمان، وكانت فائقة الحسن، بارعة الجمال، وحسب ما قيل أن النعمان كان قصيراً دميماً أبرش، وقد تعددت الروايات حول وصف النابغة للمتجردة، حيث قيل بأن النابغة دخل على النعمان ذات مرة، فرأى زوجته المتجردة وقد سقط نصيفها فاستترت منه بيدها. فأمره النعمان بأن يصفها له فأنشأ قصيدته التي يقول فيها :
• سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولتْه واتّقتنا باليدِ.
وأردف ابن قتيبة قائلاً : وكان للنعمان نديم يقال له المنخل اليشكري يتهم بالمتجردة ويظن بولد النعمان منها أنهم منه، وكان المنخّل جميلاً، وكان النعمان قصيراً دميماً، فلما سمع المنخل هذا الشعر، قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلا من قد جرّب. فوقر ذلك في نفسه، وبلغ النابغة ذلك فخافه فهرب إلى الغساسنة، ولعل اتصال النابغة بالغساسنة، أعداء المناذرة، كان سبباً آخر من أسباب حقد الملك على الشاعر، ولا مبرر هنا للتفصيل ومناقشة هذه الآراء. وأقام النابغة في بلاط الغساسنة، منقطعاً إلى عمرو بن الحارث الأصغر وإلى أخيه النعمان بن الحارث، وقد امتدح هؤلاء بعدة قصائد، منها القصيدة البائية التي قالها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر والتي مطلعها :
• كليني لهمّ يا أميمة ناصب
وليل أقاسيه بطيء الكواكبِ.
وبقي النابغة عند الغساسنة فترة من الزمن، ينشدهم شعره، ويشاركهم في محافلهم ومجالسهم، جاهداً في ذكر مفاخرهم وانتصاراتهم، إلى أن توفرت أسباب عودته إلى بلاط النعمان فترك جوارهم. وذكر ابن قتيبة أن النعمان قد غمّه امتداح النابغة للغساسنة أعدائه وأيقن أن الذي قذف به عنده باطل، فبعث يستقدمه إليه من جديد بقوله: "إنك صرت إلى قوم قتلوا جدّي فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن إن كنا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه". هكذا نظم النابغة اعتذارياته، ثم جاء أبا قابوس مع رجلين من فزارة هما : زبان بن سيار الفزاري ومنظور بن سيّار الفزاري وبينهما وبين النعمان مودة وصفاء وكان الملك قد ضرب لهما قبة، وهو لا يعلم أن النابغة معهما. وقد أشار النابغة على إحدى القيان أن تغني أبياتاً من قصيدته "يا دار مية" ومنها قوله :
• أنبئت أن أبا قابوس أوعدني
ولا قرار على زأر من الأسد.
فلما سمع الملك النعمان، هذا الشعر قال: هذا شعر علوي، هذا شعر النابغة؛ وسأل عنه، فأخبر مع صديقيه الفزاريين، الذين كلماه فيه، فأمّنه النعمان، وعاد إلى بلاط الحيرة واسترجع مكانته واستأنف مدائحه بالنعمان.
قصيدة نبئت زرعة والسفاهة كاسمها
قصيدة عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع

تعليقات
إرسال تعليق